هل تحرّر الأسرى ؟
October 19, 2011

 تشقّ الحافلات طريقها باندفاعة المبتهجين، والأيادي تلوَّح من الشبابيك المسرعة، وتتعانق الأرواح، وتدبُّ القشعريرةُ وتطفح دمعةً ثقيلةً تطفر كقطرة العسل .لعله مشهدٌ عميق، يجرف السنوات ويلقيها جانباً ليؤثّث بدايةً ينبغي أن تكون أكثر معقولية وعافية. إذن، هو السجن وهؤلاء هم المحررّون الخارجون من أنياب الموت البطيء واللزوجة والعتمة الخانقة، وهذا هو الشارع الفلسطيني الذي فتح صدره وذراعيه وشهق كحبةِ الرمّان ليضمّ الخارجين من القيود المهولة والأقفاص. وتبقى غير غُصة على مَنْ بقي هناك في الظلمات ولم يُكتب له النور الخارجي بعد .وقبل الدخول إلى فضاء الأعراس التي عمّت فلسطين فرحاً بالمحررين نسأل، ونحن ندرك أن هؤلاء خرجوا من سجن صغير خانق إلى سجن أكبر قليلاً، لكنه سجنٌ بحجم المدينة أو القرية المحاطةِ بالبيوت المُقحمة وأنظمة الأسوار الأمنية العنصرية ومئات الحواجز والجنود الدمويين والمستوطنين المنفلتين من عقدهم ووهمهم إلى شهوة الدّم والحرق والاستباحة العمياء، والسؤال العالق: مَنْ الذي بقي في الأسر غير أولئك البالغ عددهم قرابة الستة آلاف ؟  نقول: بقية  الأرض والمقدسات، الأقصى والقيامه، والحقول والبيوت، فجميعها أسرى، إضافة إلى المعتقلين في ثلاجات الموتى ومقابر الأرقام، فهم شهداء أموات وأسرى، وبقي في المعتقل كذلك ستة ملايين فلسطيني أسرى المنافي، وثمّة أسرى لا يمشون على الأرض هم الأحلام المذبوحة والتطلعات التي قطعوا رؤوسها عن أكتافها . إذن، كل مَنْ وما هو فلسطيني أسير ومعتقل وسجين ومحاصر، والجميع لم يبرح بيت العزاء منذ مئة عام، لكننا نخرج من هذه البراثن إلى سبحات الضوء، لنجدد روحنا ونشحذ هممنا ونقاوم بالفرح الصعب والأغنية النازفة والزفّة المطهمة بالدموع . ونفرح ليعلموا أن في ديننا فسحة، وأن نافذة الأمل نفتحها رغماً عن أنفها .ويطيب لي أن أسأل أيضاً: هل كنا جاهزين لاستقبال الأسرى المحررين ؟ الإجابة  برسم الجميع، مجتمعاً بكل مؤسساته الرسمية والأهلية، ومحررين لامسوا أجساد عائلاتهم وأشجارهم بعد انتظارٍ لا يرحم . غير أني أميل إلى توجيه بعض المداخلات التالية:  أولاً:أن ننأى بأنفسنا عن تسجيل الملاحظات السلبية على بعضنا البعض، أو المزاودة والتسابق   نحو تسجيل النقاط، على طريق البحث عما هو مشترك ويساهم في لمّ الشمل وتجاوز حالة   الفرقة والتشظية. وهذا يعني أن نفيد من أخطائنا ونقيّم أداءنا بعيداً عن لغة الإتهام والإعدام   وشيطنة . بعضنا البعض.ثانياً:على مؤسساتنا الرسمية أن تدرك أن هؤلاء المحررين هم أصحاب حقوق، ولا يمنُّ عليهم  أحد، وأن ما يُقدّم إليهم ليس مكافأة أو هدية أو فائضاً من هذا أو ذاك . بل إن الواجب يفرض تقديم أقصى ما يُستطاع لهؤلاء الأبطال، ولعوائل من ظلوا يرزحون تحت ركام الليل  الغريب. ثالثاً: وعلى المؤسسة الرسمية أن لا تورط هؤلاء المحررين وتثقلهم بوضعهم في مواقع إدارية  بيروقراطية، وإنما تهيء لهم كل أسباب التأهيل وتمكّنهم في المواقع التنظيمية للإفادة من  تجاربهم ورمزيتهم وحمولتهم المعرفية والنضالية.رابعاً: حفظ كرامة هؤلاء المحررين بتوفير نظام تقاعدي ينأى بهم عن السؤال ودقّ الأبواب، بل على المؤسسة الرسمية وعلى المحررين أيضاً أن يجترحوا المؤسسة القادرة على احتضانهم لتسجيل تجربتهم في السجن، على طريق تأصيل تاريخ الحركة الأسيرة، الذي  ضاع منه الكثير وتبدد في الإهمال والنسيان .إن بطولات عظيمة ساطعة قد ضاعت في اللامبالاة، وإن معجزات وتضحيات فردية وجماعية أظهرها الشهداء مع وقف التنفيذ، وقادتهم إلى الزنازين، لم يسمع بها أحد، ولم تتراكم لتصبح النموذج المضيء الذي تتخذه الأجيال قدوةً، وتحفظ لهذا الشعب ميراثه الذهبي، وهو يدافع بجسارة وعبقرية عن حقوقه وثوابته وحياته .لقد آن الأوان لتوفير الجهة التي ترعى تأريخ وكتابة روايتنا الوطنية والسياسية والثقافية .. الخ .إن شهداء الحركة الأسيرة ورموزها وحكاياهم المستحيلة، وأشكال نضالهم، والكيفية التي واجهوا بها الكسر والإذلال، فاستحالت السجون قلاعاً وساحات وعي ومقاومة .. تستحق أن تُسجّل بأناقة وموضوعية وواقعية، لتمتليء بها المناهج المُفرّغة من محتواها، ولتنتشر على صفحات التلفزة والصحف الخائبة .إن ذاكرة السجون تزدحم بالدم والضوء، وإن وراء كل اسم قصّة يلين معها الفولاذ، أو يشيب لها جناح الغراب .خامساً: وإن مَنْ تم إبعادهم سيواجهون واقعاً أَكثر إيلاماً وغربة وعدمية، ما يعني أن لا نكرر تجربة مبعدي كنيسة المهد التي كانت وما زالت ناتئة قاسية، بمعنى أن نحرص على متابعة أوضاعهم وعلى كل المستويات، بما يصونهم ويحقق كرامتهم، ويدفعهم للأنخراط في العمل الفلسطيني المسؤول في الخارج.سادساً: أتمنى على المحررين الذين خبروا حياة مثالية منضبطة في السجون ألاّ يسحبوا تلك الحياة على مجتمعهم، لأن متغيّرات عميقة وجارحة قد حدثت وغابوا عنها، وأن المجتمع عرضة لمهبّات متناقضة وغير حميدة أحياناً، أي نتمنى أن يدفع هؤلاء المحررون المجتمع ليقترب أكثر من يوتوبيا النموذج التطهري المعيش في السجن .سابعاً: وأتمنى على المحررين ألاّ يظنوا بأن الزمن قد فاتهم، أو أن بعض أترابهم ومجايليهم قد حققوا الكثير، في حين كانوا يرزحون في العتمات والتكلّس .. أقول للمحررين: إن ما أنجزتموه بنضالكم الموصول هو من أجمل أشكال رحمة الله التي هي خير مما يجمعون، وهو أفضل مما حققه البعض من إنجازات شكلية زائلة . إن النضال هو الشجاعة التي لا تخسر .ثامناً: أتمنى على المجتمع أن يتعامل مع المحررين بتميُّز وليس بتمييز، وأن يُنظر إليهم كبشر وليس كملائكة، وأن ينخرط هؤلاء المحررون في دائرة الانتاج، كلٌّ حسب قدرته واختصاصه .تاسعاً: إنني أشعر بغضب وأسف وأعبّر عن استهجاني واستنكاري للموقف غير المبرر للرئيس الأمريكي أوباما الذي ما فتىء ينافق دولة الاحتلال ويساندها ويقدّم لها الولاء ونذور الطاعة، فيما يعبّر استنكاره الفج وخشيته غير الوجيهة وغير المسوغة من إطلاق سراح أسرى فلسطين؟! وأوباما يعلم جيداً أنهم لم يحتلوا أرض الغير ولم يحرقوا بيوتهم ويقلعوا أشجارهم ويسمّموا ماءهم  ويذبحوا أطفالهم، بل إنهم مناضلون دافعوا عن كرامتهم وأعراضهم، مثلما دافعوا عن الرُضَّع والغصون والطيور والأعياد، التي يقصفها الاحتلال بأسلحة طازجة خرجت لتوّها من مصانع أمريكا، التي جعلت دولة الاحتلال فوق القانون وفوق المساءلة . أي راعٍ للسلام هذا، وأيّ مخلوق يكيل بميزان مختلّ ، ولا يرى الا بعيون المستوطنين، حتى جعل واشنطن دي سي جيتو أو مستوطنة أو كنيست تَرْطِنُ بإنجليزية ظالمة !عاشراً: إننا مطالبون، سلطةً بأجهزنها الأمنية، وفصائل ومواطنين بحماية وضمان حياة المحررين المهدّدين من قطعان المستوطنين المجرمين، الذين أعلنوا عن جوائز مالية لمَنْ يقتل فلسطينياً وعلى رأسهم المحرّر مصطفى المسلماني. إن المجتمع الاسرائيلي وحكومته الحاخامية محكومون بلغة سفك الدماء، ما يثبت أنه مجتمع متطرف يحكمه المستوطنون وضباط يقدّمون الذرائع القانونية والإخلاقية لتسويغ هدر حياتنا واجتثاث وجودنا. وإن الخداع الذي تسوّقه حكومة الاحتلال تكشفه استطلاعات رأيهم التي تؤكد على أن هذا المجتمع لا يريد السلام فحسب، بل ويركب فرس اليمين المتطرف ويسبقه الى الفاشية، وإلى تعميق وتوسيع ثقافة الحرق والهدم والحواجز والإبعاد والسجن والمصادرة والحصار والكراهية، وثقافة الغوييم البائدة . وأخيراً وليس آخراً فإن السؤال الكبير الذي يتقدم نحونا جميعاً: كيف سنحرّر باقي الأسرى؟ وقبل أن نقفل نقول: شكراً لمن حررّوا نبضة قلب لتكون وردة مخضلة بحجم الوطن، بدمهم أو عرقهم أو سنواتهم التي سرقها الزمن الاحتلالي .. الزائل أبدا .