طباعة
الأقصى أمام اختبار جديد.. 15 مقتحمًا وكتب "السيدور" الدينية بعد عامين من تصاعد الطقوس اليهودية
يشهد المسجد الأقصى المبارك تصعيدًا متواصلًا في فرض الطقوس الدينية اليهودية داخل ساحاته، فلم يعد ما يجري فيه يقتصر على اقتحامات المستوطنين وجولاتهم، بل يتجه تدريجيًا نحو ترسيخ وجود ديني يهودي علني ومنظم داخل المسجد، عبر سلسلة متتابعة من التسهيلات التي وسّعت نطاق الصلاة والطقوس الدينية، وصولًا إلى السماح بإدخال النصوص والكتب الدينية إلى باحاته، وأداء الشعائر بصورة علنية، في ظل دعم سياسي وحماية وموافقة من شرطة الاحتلال.
وفي أحدث تطور، كشفت جماعات ومنظمات "الهيكل" المتطرفة عن سماح شرطة الاحتلال لمستوطنين بإدخال كتب الصلاة التلمودية "السيدور" إلى المسجد الأقصى وأداء الشعائر الدينية علنًا داخل باحاته، في خطوة تمثل انتقالًا جديدًا من السماح بأداء الصلاة إلى السماح بإدخال أدواتها وكتبها الدينية إلى المسجد.
15 مقتحمًا.. "تجربة أولية" لإدخال كتب الصلاة
قالت جماعات "الهيكل" المتطرفة، إن سلطات الاحتلال سمحت لمستوطنين بإدخال كتب الصلاة التلمودية "السيدور" وأداء الشعائر علنًا داخل باحات المسجد الأقصى.
وبحسب ما أعلنته الجماعات، حظيت الخطوة بموافقة وإقرار شخصي من مفوض شرطة الاحتلال داني ليفي، الذي اعتمد قائمة محددة تضم 15 مقتحمًا فقط للسماح لهم بإدخال كتب الصلاة إلى المسجد.
ووُصفت الخطوة بأنها "تجربة أولية"، بهدف فحص ردود الفعل الإقليمية ودراسة إمكانية تثبيت هذه الممارسة وفرضها بصورة دائمة داخل المسجد.
ولا تتعامل جماعات "الهيكل" مع الخطوة باعتبارها نهاية لمسارها، إذ دعت إلى مزيد من التسهيلات للمستوطنين خلال الاقتحامات، بما يشمل السماح بإدخال أدوات دينية خاصة بالصلاة، ومن بينها "التفلين".
وتكشف هذه الخطوة عن انتقال جديد في مسار فرض الطقوس اليهودية داخل الأقصى: فبعد أن كان المستوطن يدخل للصلاة، أصبح يُسمح له بإدخال النصوص التي يؤدي بها صلاته؛ وبعد النصوص الكتب الدينية، ويُطالب الآن المطالبة بإدخال أدوات العبادة نفسها.
من أوراق الصلاة إلى الكتب الدينية.. كيف وصل الأمر إلى هنا؟
لم يظهر السماح بإدخال "السيدور" فجأة، بل جاء في سياق سلسلة من التغييرات المتدرجة التي شهدها المسجد الأقصى خلال العامين الأخيرين.
ووفق رصد وتوثيق مركز معلومات وادي حلوة – القدس، انتقلت الطقوس الدينية اليهودية داخل المسجد من محاولات محدودة وفردية إلى ممارسات أكثر علنية وتنظيمًا، ثم إلى السماح بإدخال المواد الدينية، وصولًا إلى الكتب المستخدمة في أداء الصلاة.
آب/أغسطس 2024: طرح فكرة الكنيس
في آب/أغسطس 2024، أعلن وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير نيته إقامة كنيس يهودي في المسجد الأقصى، وتحديدًا في المنطقة الشرقية منه.
ومنذ ذلك الإعلان، شهدت المنطقة تصاعدًا متواصلًا في مظاهر الصلاة اليهودية العلنية، فتحولت تدريجيًا إلى نقطة يومية للصلوات الجماعية، ومكان لعقد جلسات تعليمية، والجلوس على الكراسي والمصاطب، والتوقف لفترات طويلة تتراوح، وفق رصد مركز معلومات وادي حلوة – القدس، بين (20 و40 دقيقة) خلال الاقتحامات.
وبذلك، لم يعد وجود المستوطنين في المنطقة الشرقية مقتصرًا على المرور ضمن مسار الاقتحام، وإنما بدأت تُفرض فيها أنماط جديدة من التواجد، تشمل الصلاة والجلوس والتجمع وعقد الجلسات، بما يعزز تحويلها تدريجيًا إلى مساحة مخصصة للممارسات الدينية اليهودية داخل المسجد.
وتواصل هذا المسار خلال عام 2026، وصولًا إلى تموز/يوليو، بالتزامن مع ما يسمى "ذكرى خراب الهيكل"، حيث نُصبت مظلة في المنطقة الشرقية خلال المناسبة، في خطوة ارتبطت بتسهيل وجود المقتحمين وممارساتهم في المنطقة.
وفي المناسبة نفسها، شهد المسجد تصعيدًا واسعًا في أعداد المقتحمين والطقوس الدينية، مع مشاركة بن غفير، وأداء الصلوات والسجود وطقوس تلمودية بصورة علنية.
حزيران/يونيو 2025: الصلاة تنتشر في ساحات الأقصى
في حزيران/يونيو 2025، وبإيعاز من بن غفير، توسعت الصلاة اليهودية لتشمل مناطق مختلفة من المسجد الأقصى، وأصبحت تُؤدى بصورة جماعية وبأصوات مرتفعة، في مشهد غير مسبوق من حيث اتساع نطاق الطقوس داخل ساحاته.
وبذلك تجاوزت الممارسات مرحلة المحاولات الفردية، لتتحول إلى طقوس متكررة ومنظمة، تُقام خلال الاقتحامات وتحت حماية شرطة الاحتلال.
كانون الثاني/يناير 2026: دخول أوراق الصلاة
في كانون الثاني/يناير 2026، سُمح للمستوطنين، لأول مرة، بإدخال أوراق مخصصة للصلوات إلى المسجد الأقصى، تضمنت نصوصًا دينية وإرشادات مكتوبة ومروّسة بشعارات جماعات "جبل الهيكل".
مثلت الخطوة انتقالًا مهمًا؛ إذ لم تعد الصلاة مقتصرة على ما يحمله المقتحم في ذاكرته أو يؤديه شفهيًا أو عبر الهاتف المحمول، وإنما بدأ إدخال مواد دينية مخصصة للاستخدام داخل المسجد.
نيسان/أبريل 2026: نصوص صلاة موسعة
في نهاية نيسان/أبريل، أعلنت جماعات "الهيكل" المتطرفة إصدار نسخ موسعة من "نصوص الصلاة"، لاستخدامها خلال اقتحامات المسجد الأقصى، في خطوة عكست تصاعد الطقوس الدينية العلنية داخل ساحاته.
وبذلك اتسع نطاق المواد الدينية المسموح بإدخالها إلى المسجد، وأصبحت النصوص نفسها جزءًا من الممارسة التي تسعى جماعات "الهيكل" إلى تثبيتها داخل الأقصى.
أيار/مايو 2026: العلم والنشيد والصلوات
وفي أيار/مايو 2026، انتقلت مظاهر الاقتحام إلى مستوى جديد، مع إقدام وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير على رفع العلم الإسرائيلي داخل المسجد الأقصى، وترديد النشيد والصلوات برفقة مستوطنين، في مشهد يجمع بين الطقس الديني والمظهر القومي الإسرائيلي. وقد وثقت مشاهد لاحقة رفع مستوطنين للعلم الإسرائيلي داخل المسجد، إلى جانب أداء صلوات وطقوس دينية بصورة جماعية.
فرفع العلم، وأداء الصلاة بصورة علنية، وترديد النشيد والصلوات، لم تعد مظاهر مرتبطة بمشاركة بن غفير وحده، بل ظهرت لاحقًا ضمن ممارسات جماعية للمستوطنين خلال اقتحاماتهم، في ظل حماية شرطة الاحتلال.
تموز/يوليو 2026: "ذكرى خراب الهيكل"
بلغ مسار الطقوس الدينية ذروة جديدة في تموز/يوليو 2026، بالتزامن مع ما يسمى لدى الجماعات اليهودية المتطرفة "ذكرى خراب الهيكل".
وفي هذه المناسبة، أُدخلت الكتب الدينية للمرة الأولى الى الأقصى بصورة علنية، وأُديت الصلوات داخل المسجد، كما شهدت المنطقة قراءة "سفر المراثي"، وهو نص ديني يهودي يتكون من خمسة فصول، يُتلى في التاسع من شهر آب العبري، تزامنًا مع ما يسمى ذكرى "خراب الهيكل".
وبذلك لم تعد الطقوس تقتصر على الصلاة أو السجود، بل بدأت تشمل قراءة النصوص الدينية المرتبطة مباشرة بالمناسبة التي تستهدف الجماعات إحياءها داخل المسجد.
بن غفير.. تسهيلات متتالية
ترافقت هذه التطورات مع سلسلة من المواقف والإجراءات التي ارتبطت بوزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، الذي أعلن مرارًا دعمه لتوسيع الصلاة والطقوس اليهودية في المسجد الأقصى.
ومنذ إعلانه عن نيته إقامة كنيس في المسجد، مرورًا بتوسيع نطاق الصلاة العلنية، وصولًا إلى التسهيلات المتعلقة بإدخال أوراق ونصوص الصلاة، أخذت الممارسات تتقدم خطوة بعد أخرى.
ولا يمكن التعامل مع ظهور بن غفير في هذه الممارسات باعتباره حادثة عابرة؛ إذ تكشف التطورات المتلاحقة أن ما يبدأ بمشاركة الوزير أو إقدامه شخصيًا على ممارسة داخل المسجد، سرعان ما يتحول إلى سلوك يتكرر من قبل المستوطنين ويُفرض تدريجيًا كأمر واقع.
واللافت أن كل مرحلة بدت، في بدايتها، محدودة النطاق، لكنها أصبحت أساسًا للانتقال إلى مرحلة جديدة:
وبذلك، تحوّل حضور الوزير وممارسته للطقوس في الأقصى إلى ما يشبه إشارة سياسية وميدانية لما يمكن أن يصبح مسموحًا به داخل المسجد؛ فما كان يُقدَّم في البداية باعتباره تجاوزًا أو ممارسة استثنائية، يبدأ بالتكرار، ثم ينتقل إلى مجموعة من المستوطنين، وصولًا إلى محاولة تثبيته كمشهد اعتيادي خلال الاقتحامات.
وهذا النمط يتكرر في مسار الطقوس داخل الأقصى: خطوة يبدأ بها مسؤول أو شخصية سياسية متطرفة، ثم تتبعها الجماعات الاستيطانية، قبل أن تتحول الممارسة إلى واقع متكرر ومقبول من قبل شرطة الاحتلال .
ومن هنا تكتسب مشاركة بن غفير في هذه الطقوس دلالتها؛ فهي لا تقتصر على ما يفعله الوزير داخل المسجد، وإنما تكمن خطورتها في ما تفتحه هذه الممارسات من مساحة لتوسيع الطقوس وتثبيتها لاحقًا بين المقتحمين.
ما الذي تطالب به جماعات "الهيكل" بعد ذلك؟
لا تتوقف مطالب الجماعات المتطرفة عند السماح بإدخال كتب "السيدور"، بل تطالب بتوسيع التسهيلات لتشمل أدوات دينية أخرى، وفي مقدمتها "التفلين".
ويكشف ذلك أن إدخال الكتب لا يُطرح باعتباره إجراءً منفصلًا، وإنما باعتباره خطوة ضمن مسار أوسع لتثبيت الطقوس اليهودية داخل المسجد الأقصى.
من "تجربة أولية" إلى واقع دائم؟
تكمن خطورة التطور الأخير في العبارة التي استخدمتها جماعات "الهيكل" نفسها: "تجربة أولية".
فحصر السماح بـ15 مقتحمًا لا يعني بالضرورة أن الإجراء سيبقى محصورًا بهذا العدد، بل إن الجماعات تتحدث صراحة عن اختبار ردود الفعل ودراسة إمكانية تثبيت هذه الممارسة وتوسيعها لاحقًا.
وبهذا، فإن ما يجري لا يمكن قراءته كواقعة منفصلة، وإنما كحلقة جديدة في مسار متدرج، بدأت ملامحه بمحاولات أداء الصلاة، ثم تحولت إلى صلاة علنية ومنظمة، ثم امتدت إلى إدخال الأوراق والنصوص، وصولًا إلى الكتب الدينية.
وهنا تبرز خطورة المسار: ما يُقدَّم في كل مرة على أنه استثناء محدود أو تجربة مؤقتة، يتحول تدريجيًا إلى ممارسة متكررة، ثم إلى واقع ميداني تسعى جماعات "الهيكل" إلى تثبيته وتوسيعه.
من ورقة الصلاة إلى الكتاب، ومن الكتاب إلى أدوات العبادة.. تتقدم الطقوس خطوة جديدة داخل الأقصى، فيما تتسع المطالب لفرض واقع ديني جديد في المسجد.

