طباعة

الاحتلال يستولي على آخر منشآت الأونروا العاملة في القدس.. اقتحام معهد قلنديا وإخلاؤه ورفع العلم الإسرائيلي
August 25, 2026

في تطور يُعد الأبرز في مسار استهداف وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" في القدس، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، صباح اليوم الثلاثاء، معهد قلنديا للتدريب المهني التابع للوكالة في مخيم قلنديا شمال القدس، وأخلته من موظفيه والمتواجدين فيه، قبل أن تفرض سيطرتها على الموقع وترفع العلم الإسرائيلي فوق مقره.

وبدأت العملية بوصول مركبات عسكرية وقوات مشاة إلى المعهد، فيما نُقلت مجموعات من القوات إلى الموقع بواسطة حافلات، وانتشرت في ساحاته، قبل إخلاء نحو 20 موظفًا كانوا داخل المنشأة، وإخراج جميع المتواجدين منها.

وجرت العملية بحضور وإشراف وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، الذي أعلن أن قوات كبيرة من الشرطة الإسرائيلية أخرجت موظفي الأونروا من الموقع، في خطوة قال إنها تأتي في إطار "فرض السيادة".

ونشر بن غفير صورة للعلم الإسرائيلي مرفوعًا فوق مقر المعهد، مرفقًا بها عبارة "UNRWA in our hands"، في إشارة إلى السيطرة الفعلية على المنشأة التابعة للأمم المتحدة.

وقال بن غفير إن القدس "عاصمة دولة إسرائيل وستبقى كذلك"، وإن "السيادة ليست مجرد كلام، بل هي ممارسة"، مكررًا اتهامات إسرائيلية للأونروا وموظفيها.

ونشر له فيديو متحدثا من مكتب مدير معهد قلنديا قال فيه:" أنا أجلس هنا، في ما كان مكتب مدير الأونروا. كان يجلس هنا المدير، في فترة ولايتي لا توجد أونروا، ولا توجد إدارة. لن يكونوا هنا، الشرطة، الجيش الإسرائيلي، حرس الحدود في الضفة الغربية، مصلحة السجون، وحدة مِتْسادا... جميعهم تعاونوا معاً في عملية كبيرة، الأونروا إلى الخارج! وهذا المكان... في هذا المكان ستكون مدرسة للأطفال.

وفي المستوى السياسي الأعلى، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إخلاء مجمع الأونروا في القدس جرى "بناءً على توجيهاتي"، وقال إن إسرائيل لن تسمح للأونروا بالعمل على أراضيها، مكررًا الاتهامات الإسرائيلية للوكالة بشأن ارتباط بعض موظفيها بأحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وبذلك، لم تبقَ عملية اليوم في إطار إجراء تنفذه الشرطة أو بلدية الاحتلال، وإنما تبنتها القيادة السياسية الإسرائيلية بصورة مباشرة، في وقت شارك فيه وزير الأمن القومي شخصيًا في العملية الميدانية.

معهد قلنديا.. آخر منشآت الأونروا العاملة في القدس

لم يكن معهد قلنديا للتدريب المهني آخر مبنى للأونروا في القدس فحسب، بل آخر منشآتها التي واصلت تقديم خدماتها للاجئين في المدينة، بعد إغلاق مقر الوكالة الرئيسي في حي الشيخ جراح، ومدارسها الست في المدينة، وعياداتها في مخيم شعفاط والبلدة القديمة.

وبالسيطرة على معهد قلنديا، تصل الإجراءات الإسرائيلية ضد الوكالة في القدس إلى مرحلة جديدة، تنتقل فيها من القوانين والحظر والإغلاق والاقتحامات إلى السيطرة الفعلية على آخر منشآتها العاملة في المدينة.

سبعة عقود من التدريب المهني للاجئين

تأسس معهد قلنديا عام 1953 على أرض أتاحت الحكومة الأردنية استخدامها للأونروا، ويمتد على مساحة تزيد على 80 دونمًا قرب مخيم قلنديا وبلدة كفر عقب شمال القدس.

ويخدم المعهد نحو 350 طالبًا وطالبة من اللاجئين الفلسطينيين، القادمين من نحو 19 مخيمًا في الضفة الغربية، وتتراوح أعمارهم بين 15 و19 عامًا.

وتوفر الأونروا للطلاب التعليم والتدريب المهني مجانًا، إلى جانب السكن الداخلي للطلاب القادمين من المناطق البعيدة، والوجبات الغذائية والخدمات الصحية والتوجيه والإرشاد المهني، بما يساعدهم على اكتساب مهارات تمكنهم من دخول سوق العمل.

وتشمل برامج التدريب 16 تخصصًا في تكنولوجيا الاتصالات والأنظمة الذكية، والكهرباء والطاقة، والميكانيكا والسيارات، والمهن الإنشائية واليدوية.

وخلال أكثر من سبعة عقود، تخرج من المعهد آلاف اللاجئين الفلسطينيين، الذين انتقلوا إلى سوق العمل المحلي والإقليمي، وفق الأونروا.

الأونروا: اقتحام منشأة أممية "غير مقبول"

وأدانت الأونروا بشكل قاطع اقتحام معهد قلنديا، مؤكدة أن دخول قوات أمن مسلحة إلى منشأة تابعة للأمم المتحدة دون إذن المنظمة أو موافقتها "أمر غير مقبول".

وأكدت الوكالة أن المعهد منشأة تابعة للأمم المتحدة تتمتع بالامتيازات والحصانات الممنوحة للمنظمة بموجب القانون الدولي، وأن حرمتها يجب أن تُحترم بشكل كامل.

وقالت إن المعهد ليس مجرد مبنى، بل أقدم مركز للتدريب المهني تابع لها، وقد خدم اللاجئين الفلسطينيين لأكثر من سبعة عقود، موضحة أنه يوفر سنويًا لمئات الطلبة من اللاجئين في مخيمات الضفة الغربية فرصة الحصول على تعليم مهني مجاني ومسارًا نحو قدر أكبر من الاستقلال الاقتصادي.

وحذرت الأونروا من أن أي محاولة للاستيلاء على منشآتها أو التدخل في عملها أو الإضرار بقدرتها على أداء مهامها تمس قدرة الأمم المتحدة على تنفيذ ولايتها.

ودعت المجتمع الدولي إلى التحرك فورًا وبحزم لحماية حرمة معهد قلنديا وجميع منشآت الأمم المتحدة الأخرى في القدس الشرقية المحتلة، وضمان قدرة الوكالة على مواصلة تقديم خدماتها للاجئين الفلسطينيين دون ترهيب أو عرقلة أو تدخل.

من القوانين إلى السيطرة.. مسار طويل ضد الأونروا في القدس

وبحسب ما رصده المركز، لم يكن الاستيلاء على معهد قلنديا إجراءً منفصلًا، وإنما جاء في نهاية مسار متدرج استهدف وجود الأونروا في القدس، بدأ بالقيود والتهديدات، وانتقل إلى القوانين والإغلاق والاقتحام، وصولًا إلى السيطرة الفعلية على آخر منشآتها العاملة في المدينة.

أيار/مايو 2024: طالبت السلطات الإسرائيلية الوكالة بإخلاء مقرها الرئيسي في حي الشيخ جراح، وفرضت عليها مطالبات مالية مرتبطة باستخدام العقار.

تشرين الأول/أكتوبر 2024: أقر الكنيست قانونين يستهدفان الأونروا، أحدهما يحظر نشاطها داخل إسرائيل، والآخر يمنع الجهات الرسمية الإسرائيلية من التعامل معها.

كانون الثاني/يناير 2025: دخلت القوانين حيز التنفيذ، وتواصلت المطالبات الإسرائيلية بإخلاء منشآت الأونروا في القدس.

أيار/مايو 2025: إغلاق مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" في مدينة القدس، في مخيم شعفاط، ووادي الجوز، وسلوان، وصور باهر.

كانون الثاني/يناير 2026: إغلاق العيادات في مخيم شعفاط وباب الساهرة.

كانون الثاني/يناير 2026: اقتحمت القوات الإسرائيلية مقر الأونروا في حي الشيخ جراح، برفقة جرافات، وهدمت أجزاء واسعة من منشآته، في خطوة دفعت الوكالة إلى التحذير من تصاعد استهداف وجودها في القدس.

أيار/مايو 2026: صادقت الحكومة الإسرائيلية على مخطط عسكري استيطاني يستهدف مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" الرئيسي في حي الشيخ جراح في مدينة القدس.

الرواية الإسرائيلية: الأرض والمشروع البديل

وتدعي السلطات الإسرائيلية أن الوكالة لا تملك حقوق ملكية على الأرض المقامة عليها المنشأة، وأن الأرض مملوكة للصندوق القومي اليهودي منذ عام 1937، ومخصصة لبلدية القدس، بينما قامت الأونروا، وفق ادعائها، بتسييج الأرض واستخدامها لعقود دون امتلاك حقوق ملكية عليها.

وقالت وزارة الخارجية الإسرائيلية إن بلدية القدس بدأت العمل على إقامة مجمع تعليمي واجتماعي لخدمة السكان في المنطقة، باستثمار يتجاوز 40 مليون شيكل، ويشمل مدرسة ثانوية ومرافق تعليمية وصحية ورياضية، إضافة إلى مسجد.

كما تكرر إسرائيل اتهاماتها للأونروا وموظفيها بالارتباط بهجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في محاولة لتبرير إجراءاتها ضد الوكالة.

وقالت عضو الكنيست مالينوفسكي عن حزب "يسرائيل بيتينو": "سأضمن أن تستعيد دولة إسرائيل السيطرة على المكان وتؤكد سيادتها عليه".

نائب رئيس بلدية الاحتلال في القدس، أرييه كينغ، قال: "نعلن اليوم عن استعادة السيطرة على مساحة تُقدر بنحو 90 دونمًا تابعة لـ"الصندوق القومي اليهودي" (كايل) في أقصى شمال المدينة، وذلك تمهيدًا لبدء مشاريع استيطانية جديدة في المنطقة الواقعة خلف عطروت بالقرب من مطار قلنديا شبه المهجور، وهذه الأراضي تعود ملكيتها التاريخية إلى بداية القرن الماضي، وشارك في شرائها قادة مبكرون للحركة الصهيونية مثل "بيرل كاتسنلسون" ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق "ليفي أشكول"، وقد تم نقلها رسميًا بالتنسيق بين الصندوق القومي والحكومة الإسرائيلية والبلدية."

وأضاف: "المهمة أُنجزت - الأونروا أُخرجت/طُردت من القدس."

قلنديا قبل يوم واحد.. جولة دبلوماسية ثم اقتحام

ويأتي الاستيلاء على المعهد بعد أقل من 24 ساعة على جولة ميدانية نظمتها وكالة الأونروا ووزارة الخارجية الفلسطينية لوفود دبلوماسية، للاطلاع على تداعيات الإجراءات الإسرائيلية في مخيم قلنديا واستهداف الأونروا.

وشملت الجولة معهد قلنديا للتدريب المهني، الذي كان في ذلك الوقت لا يزال يعمل ويقدم خدماته التعليمية والتدريبية للاجئين الفلسطينيين.

وفي اليوم التالي مباشرة، وصلت القوات الإسرائيلية إلى الموقع، وأخلته من موظفيه والمتواجدين فيه، وفرضت السيطرة عليه، فيما رُفع العلم الإسرائيلي فوق مقره.

آخر منشأة.. نهاية مرحلة وبداية أخرى

وبالسيطرة على معهد قلنديا، تكون الإجراءات الإسرائيلية ضد الأونروا في القدس قد وصلت إلى مرحلة تتجاوز إغلاق المقرات وتعطيل الخدمات.

فالموقع الذي تأسس قبل أكثر من سبعة عقود لتوفير التعليم والتدريب المهني للاجئين الفلسطينيين، والذي استفاد منه آلاف الطلاب على مدار سنوات، أصبح اليوم تحت السيطرة الإسرائيلية.

وبينما تقول إسرائيل إن ما جرى يأتي في إطار تطبيق قوانينها وتنفيذ مشروع تعليمي وخدماتي للسكان، تؤكد الأونروا أن المعهد منشأة تابعة للأمم المتحدة، وأن الاستيلاء عليه يمس بقدرتها على تنفيذ ولايتها.

وفي السياق ذاته، كان نائب رئيس بلدية الاحتلال في القدس أرييه كينغ قد نشر، قبل أيام من الاستيلاء على معهد قلنديا، مقطعًا يوثق تكسير وإزالة اللافتات التابعة للأونروا عن إحدى مدارس الوكالة في مخيم شعفاط، وقال إن الخطوة تأتي ضمن ما وصفه بمرحلة تهدف إلى "محو أي أثر أو ذاكرة للأونروا" وإخراجها نهائيًا من القدس ومؤسساتها.

وفي القدس، لم يعد معهد قلنديا آخر منشأة للأونروا مهددة بالإغلاق فحسب؛ بل أصبح اليوم آخر منشآتها التي جرى إخلاؤها والسيطرة عليها فعليًا، في تطور يمثل واحدة من أكثر المراحل وضوحًا في مسار إنهاء وجود الوكالة في المدينة.

حصار وإصابات

وتزامن اقتحام معهد قلنديا والسيطرة عليه مع تشديد القوات الإسرائيلية إجراءاتها الميدانية في مخيم قلنديا ومحيطه، حيث أغلقت مداخل المنطقة وانتشرت أعداد كبيرة من القوات في محيط المعهد والشوارع المؤدية إليه.

وأطلقت القوات بكثافة قنابل الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية، فيما استُهدفت الطواقم الصحفية التي كانت تحاول تغطية العملية بالقنابل.

كما انتشرت القوات في نقاط مختلفة داخل المخيم، مع تمركز قناصة في مواقع مرتفعة، وسط إطلاق للرصاص، فيما أُصيب طفل خلال الأحداث المرافقة للاقتحام.