طباعة
تفاصيل- هدم بناية الطور وتشريد 75 مقدسياً فجراً.. بن غفير على الجرافة وتصاعد استهداف البنايات السكنية في القدس
لم يكن سكان البناية في بلدة الطور يتوقعون أن تكون ساعات الفجر الأولى هي موعد مغادرتهم الأخيرة لمنازلهم.
عند الساعة الثالثة والنصف فجراً، اقتحمت قوات كبيرة من الشرطة والقوات الخاصة وحرس الحدود، برفقة طواقم بلدية الاحتلال وآلياتها الثقيلة، محيط البناية السكنية، وأغلقت المنطقة بالكامل، قبل أن تقتحم الشقق واحدة تلو الأخرى بينما كانت العائلات نائمة.
استيقظ الأطفال والنساء والرجال على أصوات الجنود والصراخ، ولم تُمنح العائلات مهلة لإخلاء منازلها أو جمع أغراضها، أُجبر السكان على الخروج على الفور، فيما انتشر الجنود داخل الشقق، وبدأوا بتفتيش الغرف ومحتوياتها، ومنعوا العائلات من العودة لإخراج أغراضها.
وفي كل شقة، اقتحم ما بين 7 و15 جندياً، بينهم أطفال ونساء، فيما أُجبر شبان وفتيان على الجلوس أو الانبطاح أرضاً خلال عمليات التفتيش، وحتى استخدام الحمام لم يكن متاحاً بحرية، إذ مُنع السكان من الذهاب إليه، فيما سُمح لبعضهم بذلك بشروط، بينها إبقاء الباب مفتوحاً.
تروي العائلات أن التعامل معها كان قاسياً، وسط صراخ ودفع وإجبار على الخروج سريعاً، وعندما طلب السكان تفريغ المحتويات، جاءه الرد: "خود شو بتقدر لمرة وحدة"، مع منعه من العودة مجدداً لإفراغ الشقة.
وبينما كانت العائلات تحاول استيعاب ما يحدث، كانت الجرافات تبدأ بهدم البناية التي عاشوا فيها لسنوات؛ خمس طبقات من الشقق، وكل شقة فيها حياة كاملة: غرف نام فيها الأطفال، مطابخ أعدت فيها وجبات العائلة، صور وذكريات، وأغراض جمعتها الأسر على مدار سنوات.
خرج السكان على عجل، يحمل بعضهم ما استطاع انتزاعه من المنزل خلال دقائق، فيما بقيت أشياء كثيرة خلفهم، لم يكن أمامهم الوقت لفرز ما يأخذونه أو حتى وداع المكان كما يجب؛ فالمنازل التي دخلوها يوماً بالحياة والأثاث والذكريات، خرجوا منها اليوم على وقع أوامر الجنود والجرافات.
كانت البناية تضم عائلات الخلفاوي، أبو سبيتان، عاشور، جودة، أبو الحلاوة، الغوج، بدر، قرش، الحرباوي، الصياد وصندوقة، ويبلغ عدد أفرادها نحو 75 شخصاً، بينهم 35 طفلاً، بعض العائلات منها كانت تسكن أكثر من شقة.
ومع تقدم عملية الهدم، لم يكن المشهد مجرد إزالة جدران وأسقف؛ بل تفكيك لمساكن عاشت فيها هذه العائلات سنوات، بعد أن أمضت وقتاً طويلاً في محاولة تثبيت حقها في البقاء والحصول على ترخيص للبناية.
وبحسب العائلات، فإن البناية قائمة منذ عام 2009، وقد خاضت لسنوات إجراءات للحصول على رخصة بناء، وتمكنت خلال تلك الفترة من تأجيل أوامر الهدم السابقة، إلا أن قرار المحكمة العليا النهائي قبل نحو شهر أنهى تلك الإجراءات، بذريعة أن البناية قائمة "دون ترخيص"، والمخطط بالأرض بناء مدرسة، بعدما كانت البلدية قد تحدثت في وقت سابق عن هدم المبنى لصالح شق شارع في المنطقة.
وفي اليوم السابق للهدم، تقدمت العائلات بطلب لتحديد مهلة زمنية تمكنها من إخلاء الشقق وإخراج محتوياتها، إلا أنها فوجئت في ساعات الفجر باقتحام واسع للقوات والبلدية وبدء عملية الإخلاء والهدم دون منحها الوقت الذي طلبته.
ومع سقوط الجدران، بقيت العائلات في محيط المكان، تراقب منازلها وهي تتحول تدريجياً إلى ركام؛ أطفال فقدوا غرفهم، ونساء ورجال وجدوا أنفسهم خارج أبواب منازلهم دون أن يتمكنوا حتى من جمع أغراضهم كاملة.
وراء كل شقة في هذه البناية قصة عائلة، ووراء كل حجر سنوات من الحياة والذكريات، وفي ساعات قليلة، انتهت تلك الحياة تحت الجرافات، وخرج نحو 75 مقدسياً من منازلهم إلى المجهول، بينهم 35 طفلاً، دون مأوى، فلم يكن المشهد بالنسبة للسكان مجرد جرافة تهدم جدراناً؛ فقد كانوا يشاهدون المكان الذي عاشوا فيه سنوات ينهار أمامهم، فيما بقيت داخل الشقق أغراض وذكريات لم يتمكنوا من إخراجها.
بن غفير يتباهى بهدم مبنى سكني في بلدة الطور ويستقل جرافة الاحتلال بنفسه
وفي مشهد لافت، وصل وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير إلى بلدة الطور، بحراسة مشددة، لمتابعة عملية الهدم ميدانياً، ولم يكتفِ بالحضور، إذ ظهر وهو يعتلي إحدى الجرافات المشاركة في هدم البناية، ويتابع عملية إسقاطها طابقاً تلو الآخر.
وبينما كانت العائلات تقف أمام منازلها التي أُخرجت منها قبل أن تتمكن من جمع أغراضها، كان بن غفير يتابع عملية الهدم من موقعها؛ حيث حضر إلى المكان في الوقت الذي كانت فيه آليات الهدم تعمل.
وقال في تصريح له وهو يجلس داخل الجرافة :" وصلتُ هذا الصباح برفقة جرافات فرض (السيطرة) إلى حي الطور في شرقي القدس، للتأكد ميدانياً من تطبيق السياسة التي أتبعها، تم هدم مبنى متعدد الطبقات بُني خلافاً للقانون، وعادت الأرض لملكية دولة إسرائيل، خلال سنة ونصف قمنا بهدم 10,000 مبنى غير قانوني، وأرجعنا للدولة أراضٍ بمساحة تعادل مساحتي تل أبيب وجفعتايم معاً، هذا هو الصوت الذي أحب سماعه أكثر من غيره "قاصدا صوت الجرافات والهدم"، وتباهى بتكثيف عمليات الهدم خلال ولايته.
تصاعد هدم البنايات السكنية في مدينة القدس
وتشير معطيات مركز معلومات وادي حلوة-القدس إلى تصاعد لافت في استهداف البنايات السكنية في مدينة القدس خلال السنوات الأخيرة، في تحول واضح من هدم المنازل الفردية إلى هدم مبانٍ سكنية كاملة، بما يوسّع دائرة التشريد لتشمل عشرات العائلات في عملية هدم واحدة.
فخلال العام الجاري 2026، هدمت سلطات الاحتلال، مع بناية الطور التي هُدمت اليوم، ست بنايات سكنية، تضم نحو 30 شقة سكنية.
وفي عام 2025، رصد المركز هدم ثلاث بنايات سكنية، ضمت 22 شقة، فيما شهد عام 2024 هدم خمس بنايات سكنية، ضمت 12 شقة، من بينها بنايتان قيد الإنشاء.
ويأتي استهداف البنايات السكنية إلى جانب استمرار هدم المنازل والمنشآت الفردية، ليعكس اتساع نطاق سياسة الهدم في المدينة؛ فلم تعد العملية تقتصر على منزل واحد أو عائلة واحدة، وإنما باتت تطال مباني كاملة، بما يعني تشريد عدد أكبر من العائلات والأطفال في عملية واحدة.

